محمد بن زكريا الرازي

16

منافع الأغذية ودفع مضارها

اختصاصه ثم يعطى شهادة اختصاص ليمارس عمله ، والمشفى في خدمة أبناء الشعب دون تمييز ، يقيمون فيه ويعالجون بالمجان ، وتقدم لهم الأدوية مع تعويض شهر كامل يعطى للمريض عند شفائه ، بالإضافة إلى المستوصفات المنتقلة تجول على القرى البعيدة ويتمركز بعضها في السجون ، كل ذلك كان قبل أكثر من ألف عام ، فماذا نقول الآن ونحن في الربع الأخير من القرن العشرين عن الطب في بلادنا ؟ وكان للعرب ميدان السبق في كشف العديد من الأمراض كالشلل والتهاب السحايا والطاعون ، كما كان لهم الفضل الأول في اكتشاف الدورة الدموية وصناعة بعض الأدوية . وكان أبو بكر الرازي واحدا من هؤلاء الأطباء العرب الذين يعتز بهم في تراثنا العلمي والأدبي . لقد دفع ملك فرنسا لويس الحادي عشر المبالغ الباهظة لشراء مؤلف واحد من مؤلفات الرازي هو كتاب ( الحاوي ) الذي يضم معارض الطب منذ اليونان حتى تلك الفترة التي كان يعيشها ، وبقيت أوربة تعتمده مرجعا أساسيا في الطب مدّة تزيد عن ( 400 ) أربعمائة عام . وأقامت فرنسا لصاحبه ( الرازي ) نصبا تذكاريا في كلية الطب في باريس فماذا فعلنا نحن للرازي وابن سينا وابن النفيس وابن الصوري وابن أبي أصيبعة وابن زهر وآخرين لا يتّسع المجال لتعدادهم ؟ . تروي لنا شقيقة الرازي ( خديجة ) شيئا عن حياة الرازي فتقول : « كان طلاب العلم يزحفون اليه من جميع البلدان لتلقي المعرفة على يديه ، فكان حجة عصره ، ومرجعا لكل الحالات المرضية المستعصية . أذكر أن صبيا يافعا جاء يشكو اضطرابا وخوفا من حالته التي ساءت خلال سفره حتى بدأ يبصق دما . وقد عجز أطباء بغداد عن كشف مرضه فعاينه الرازي بهدوء كبير ، فلم يعثر على السبب ، فطلب من الفتى أن يتريث ويصبر فحالته لا تشير إلى خطر ، إذ ليس لديه التهاب رئوي أو سرطان وهنا تعالى صراخ المريض وانهمرت دموعه قائلا : إذا كان أمهر الأطباء عاجزا عن معرفة ما بي فسلام علي واستمر الرازي يقلب السبب فسأله : أي ماء شربت في رحلتك ؟ أجاب الفتى : لقد شربت هنا وهناك من ماء الآبار والمستنقعات . قال الرازي : لا شك أنك ابتلعت علقة دموية تثبتت في أمعائك . أرجع غدا لأجري لك العلاج المناسب . وفي اليوم التالي حضر الفتى ومعدته فارغة بحسب توصية الطبيب ، الذي طلب منه